محمد بن الطيب الباقلاني
17
إعجاز القرآن
ثم تناقله خلف عن سلف هم ( 1 ) مثلهم في كثرتهم وتوفر دواعيهم على نقله ، حتى انتهى إلينا ، على ما وصفناه من حاله . فلن يتشكك أحد ، ولا يجوز أن يتشكك ، مع وجود هذه الأسباب ، في أنه أتى بهذا القرآن من عند الله تعالى . فهذا أصل . وإذا ثبت هذا الأصل وجودا ، فإنا نقول : إنه تحداهم إلى ( 2 ) أن يأتوا بمثله ، وقرعهم على ترك الاتيان به ، طول السنين التي وصفناها ، فلم يأتوا بذلك . [ وهذا أصل ثان ] . والذي يدل على هذا الأصل : أنا قد علمنا أن ذلك مذكور في القرآن في المواضع الكثيرة ، كقوله : ( وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله ، وادعوا شهداءكم من دون الله إن كنتم صادقين . فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا فاتقوا النار التي وقودها الناس والحجارة أعدت للكافرين ) ( 3 ) . وكقوله : ( أم يقولون افتراه ، قل فأتوا بعشر سور مثله مفتريات ، وادعوا من استطعتم من دون الله إن كنتم صادقين . فإن / لم يستجيبوا لكم فاعلموا أنما أنزل بعلم الله ، وأن لا إله إلا هو ، فهل أنتم مسلمون ) ( 4 ) . فجعل عجزهم عن الاتيان بمثله دليلا على أنه منه ، ودليلا على وحدانيته . وذلك يدل عندنا على بطلان قول من زعم أنه لا يمكن أن تعلم بالقرآن الوحدانية ، وزعم أن ذلك مما لا سبيل إليه إلا من جهة العقل ، لان القرآن كلام الله عز وجل ، ولا يصح أن يعلم الكلام حتى يعلم المتكلم أو لا . فقلنا : إذا ثبت بما نبينه إعجازه ، وأن الخلق لا يقدرون عليه - ثبت أن الذي أتى به غيرهم ، وأنه إنما يختص بالقدرة عليه من يختص بالقدرة عليهم ، وأنه صدق . وإذا كان كذلك كان ما يتضمنه صدقا ، وليس إذا أمكن معرفته من جهة العقل امتنع أن يعرف من [ طريق القرآن ، بل
--> ( 1 ) ا : " عن سلفهم " ( 2 ) ا : " على " ( 3 ) سورة البقرة : 23 و 24 ( 4 ) سورة هود : 13 و 14